الحسن بن محمد البوريني

181

تراجم الأعيان من أبناء الزمان

وكبّر الجهلاء العمائم ، حتى ارتفعوا إلى الغمائم ، وقطنوا لجهلهم فيما كان ينزله العلماء من المعالم ، تخلى عن المناصب ، وما تجلى في منصّات المراتب ، بل ترك التدريس ودرسه ، ونسي الدرس وما درسه . وكان له وقف قد انتقل اليه من بعض أسلافه ، فاكتفى بما يحصل منه ، فامترى ما درّ من أخلافه . وقطن غالب أوقاته في الضياع ، حتى أصارته إلى وصف الضياع . وكان ملازما على التحرير والتصنيف ، والتقرير والتأليف . بحيث انه شرح « مغني اللبيب عن كتب الأعاريب » للعلّامة جمال الدين بن هشام . وأخبرني من رآه من العلماء الأعلام أنّ الشرح المذكور في بابه غاية لا ترام ، وأنه واضح المباني ، متين المعاني . تبسّم منه « 1 » ثغور التحقيق ، وتنفح من أزهاره أرواح التدقيق . وما وقفت عليه لكن سمعت بأوصافه الحسنة ، ومعانيه المستحسنة . وله في النظم اليد الطائلة ، وفي النثر المقاصد الكاملة . سلّم له أهل زمانه ، من مشايخه وأقرانه . وكان يحضر في بعض فصول السنة إلى حلب الشهباء فيبادر أعيانها إلى الاجتماع به ، ولا يتخلّف عنه كبير ولا صغير ، ولا جليل ولا حقير . وغالب أخذه العلوم عن عالم حلب المرحوم الشهير بابن الحنبلي الآتي ذكر إن شاء اللّه تعالى . ولكن صدرت له محنة في آخر عمره وأفضت به إلى الزوال ، وأصارته منقولا إلى وصف الانتقال . وذلك أنه لما كثرت إقامته في القرى كما ذكرناه كان بعض الفلّاحين يستند اليه في بعض المهمات ، ويستعين به عند وقع الملمات . فجاءه رجل وطلب منه أن يساعده في تزوجه لبنت رجل من أعيان هاتيك الناحية . وكان ابن عمّها قد تكلم مع أبيها في أن يتزوجها . فلأجل خاطر الشيخ أحمد المذكور زوّجها والدها لمن طلبها على يد الشيخ ولم يزوّجها لابن عمّها . فعاتبه ابن عمّها فقال : مالي ذنب في ذلك ،

--> ( 1 ) ه « عنه »